درب السلطان 24

مشروع لتهيئة القاعة التي زارها عبد الحليم وإسماعيل ياسين واشتهرت بالأفلام الهندية

من بين أزيد من عشر قاعات سينمائية كانت تؤثث مختلف أرجاء حي درب السلطان لوحده، لم يعد هناك شيء اسمه «سينما» بهذا الحي الذي كان يشكل الاستثناء بتوفره على كم هائل من القاعات السينمائية داخل مجال جغرافي محدود، مع ما تحيل عليه هذه القاعات من تنشيط الحركة الثقافية والفنية والتأثير الإيجابي على أجيال من الفنانين تشربوا عشق الفن وسط جدران هذه الفضاءات، فضلا عن الدور الترفيهي الذي كانت تؤديه لفائدة زوارها الذين كانوا يعاينون فيها أحدث الإنتاجات السينمائية والعروض المسرحية والموسيقية.

لم يعد شيء من هذا يحدث بدرب السلطان، إذ يكفي استحضار أسماء لقاعات من قبيل «المسرح الملكي» و»الشاوية» و»الباهية»و»موريطانيا» و»شهرزاد» و»الزهراء» و»الأطلس» و»المامونية» و»الأمل» و»الكواكب» و»البيضاء» وتتبع مصائرها ليتيبن أن مصيرها كان الإغلاق جميعا بدون استثناء، ومنها ما صار في خبر كان وطالته أيادي الهدم أو جرى تحويل نشاطه.

وحدها قاعة «المسرح الملكي»، بزنقة آيت إيفلمان بدرب السلطان، ظلت تصارع من أجل البقاء قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة قبل أزيد من سنة وتعلق عليها لافتة للبيع، بينما تحولت قاعة «الباهية» إلى مركز للإنعاش الوطني تابع للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وقبلهما صارت سينما «الشاوية»أثرا بعد عين، فيما الدور ينتظر قاعات أخرى بدرب السلطان مثل «الكواكب» و»شهرزاد» و»البيضاء» وغيرها.

عودة الروح

وتسير قاعة سينما “موريطانيا” في اتجاه الاستثناء بعد إعلان مجلس مقاطعة مرس السلطان، إخضاعها لإصلاحات في أفق تحويلها إلى مركز متعدد الاختصاصات ضمن مشروع أطلقته منذ أزيد من سنة، ليقطع أشواطا انتهت بمصادقة المجلس في دورة فبراير الماضية على مشروع اتفاقية بين مجلس الجماعة ومجلس عمالة الدار البيضاء واللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان، من أجل تهيئة القاعة وتجهيزها.

ورغم أن القرار قوبل بارتياح من قبل العديد من الغيورين على تاريخ المنطقة ومعالمها التاريخية، فإنه في المقابل تساءل آخرون عن خلفيات تحويل القاعة إلى مركز متعدد الاختصاصات بدل تهيئتها وإعادتها إلى وهجها السابق باعتبارها واحدة من القاعات السينمائية المعروفة بالعاصمة الاقتصادية، وأن تحويل نشاطها هو “إجهاز على هذا الفن، وعلى تاريخ عريق لقاعة السينما وما قدمته للأجيال السابقة من تثقيف وتعريف بهذا الفن”.

في المقابل يرى المدافعون عن المشروع أن المركز متعدد الاختصاصات سيحتوي على مسرح للقرب لفائدة شباب المقاطعة”، مشددين على أن “هذه القاعة تعد تاريخا وجبت المحافظة عليه”.

وفي هذا السياق كشف مصطفى مفضال، عضو مقاطعة مرس السلطان، بعضا من تفاصيل المشروع قائلا إنه يهدف إلى إعادة الأهمية التاريخية لهذا الفضاء الثقافي ووضعه رهن إشارة الجمعيات العاملة في مجال المسرح والتكوين فيه.

وأضاف مفضال، في حديث مع “الصباح” أن تمويل المشروع تم من قبل “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” ومجلس العمالة، إذ بلغت تكلفته الإجمالية ما يقارب 900 مليون سنتيم، من أجل بعث الحياة من جديد في هذا الفضاء.

وتابع مفضال أن هناك العديد من الإجراءات التقنية والمسطرية التي اتخذت من أجل مباشرة الأشغال بهذا الفضاء التي ستنطلق قريبا، منها دمج صندوقي التمويل الخاص بالجهتين المشرفتين على المشروع، كما تم توقيع اتفاقية الشراكة بينهما وبين مقاطعة مرس السلطان باعتبارها المشرفة على المشروع بحكم وجود القاعة فوق ترابها.

وتتضمن الورقة التقنية لمشروع “تهيئة مسرح القرب لسينما موريطانيا” مجموعة من النقط والإجراءات منها تهيئة وتأهيل القاعة، وتبليط الأرضية والجدران وتركيب سقف من الجبس لها، إضافة إلى أشغال النجارة الخشبية والألومنيوم والصباغة والزجاج، وحددت مدة الإنجاز في ستة أشهر.

قاعات قضت نحبها وأخرى تنتظر

وفي الوقت الذي تستعد فيه قاعة سينما موريطانيا، لارتداء حلة جديدة، وعودة الحياة فيها من جديد ولو على نحو مختلف، لأن ما ساهم في تمتعها بهذا الاستثناء هو أنها ملك جماعي، فإن مصير قاعات أخرى مازال مجهولا، خاصة التي يملكها الخواص، منها قاعة “المسرح الملكي” التي وضعها مالكوها رهن البيع بعد أن أعياهم الانتظار لتدخل أية جهة رسمية لإنقاذها وضمان استمرار نشاطها الفني، وهو الأمر الذي ينسحب على قاعات أخرى مثل “الكواكب” و”الزهراء” و”البيضاء” علما أنه تم الإجهاز بشكل نهائي على سينما “المامونية” التي تحولت إلى عمارة سكنية رغم تصنيفها تراثا معماريا من قبل وزارة الثقافة.

عبد الحليم وإسماعيل ياسين زارا القاعة

تقع سينما موريطانيا بزنقة سميرن وسط درب السلطان وتخترق “قيسارية الحفاري”، غير أن تهميشها لسنوات من قبل المسؤولين وعدم الاكتراث بها حوّلها إلى ملاذ للمتشردين، ما عرضها في وقت سابق إلى نشوب حريق بها.
وتنتمي هذه القاعة إلى جيل من القاعات السينمائية التي تأثث بها درب السلطان خلال منتصف الخمسينات، إذ فتحت أبوابها في وجه العموم مباشرة بعد الاستقلال، بالتزامن مع فترة الإقبال المكثف للجمهور البيضاوي على القاعات السينمائية، إذ بنيت فوق عقار يشكل امتدادا لحي بوسبير الذي كان يحتوي بدوره على قاعة سينمائية أخرى تقع مباشرة خلف “موريطانيا” انطمست معالمها هي الأخرى.

وبحكم وجودها في قلب منطقة تجارية فإن سينما موريطانيا ظلت على امتداد عقود طويلة مقصدا للشباب خاصة عشاق السينما العربية والهندية على وجه الخصوص، إذ تعرف جمهور الفن السابع من خلالها على نجوم بوليود مثل أميتاب باشان وأجيش خانا وشاشي كابور ودراموندرا وهيما مليني وسري ديفي وغيرهم.
ويتذكر العديد من البيضاويين والفعاليات بعضا من الشخصيات الفنية التي زارت القاعة في فترات مختلفة منه منها الفنان الراحل عبد الحليم حافظ الذي زارها سنة 1962 حيث دشن العرض الأول لفيلمه الجديد، آنذاك، “الخطايا” وكان برفقته الفنان عمر الحريري ويوسف وهبي وسعاد حسني والإذاعي المصري وجدي الحكيم، وكانت تلك الزيارة تاريخية بالنسبة إلى سكان درب السلطان، إذ أغلقت جميع الممرات المؤدية إلى السينما من قبل الآلاف من عشاق العندليب الذين حجوا إلى درب السلطان لملاقاته، ووجد عبد الحليم صعوبة كبيرة في الدخول أو الخروج من القاعة بعد أن التفت حوله الجماهير كما يتذكر ذلك العديد ممن حضروا هذا الحدث.

كما يتذكر الإعلامي عمر عزيز السملالي العديد من الأنشطة الفنية التي كانت تحتضنها القاعة خلال مطلع ستينات القرن الماضي، منها مسرحيات عبد القادر البدوي، والعروض الموسيقية والغنائية للراحل بوشعيب البيضاوي، وأيضا الفنان حميد الزاهير خلال بداياته الفنية.
ويحكي السملالي إشرافه على تقديم حفل غنائي كبير سنة 1963 بالقاعة نفسها، شاركت فيه رموز الأغنية المغرببية العصرية آنذاك، منها إسماعيل أحمد وأحمد الغرباوي والمعطي بنقاسم والراقصة سعاد محمد، بمرافقة جوق الراحل محمد زنيبر.

كما زار الفنان المصري الراحل إسماعيل ياسين سينما موريطانيا خلال نهاية الستينات ضمن جولة لتقديم أحد أحدث أفلامه آنذاك، في الوقت الذي اشتهرت فيه القاعة أيضا بعرضها لفيلم “رابعة العدوية” خاصة خلال شهر رمضان من كل سنة، إذ كان يعاد تقديم هذا الشريط الذي يحكي قصة واحدة من رموز التصوف الإسلامي وجسدت بطولته الفنانة نبيلة عبيد.
وأحيت بها الفرق الغنائية سهرات فنية منها “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة” و”تكادة” إضافة إلى رموز الفن الأمازيغي والروايس، فضلا عن أنشطة مختلفة للأندية السينمائية إبان فورة الشغف بالفن السابع.

ds24.ma

عن جريدة الصباح